السلامة المهنية / صحيفة الخليج الاماراتية

مخالفو الحجر المنزلي.. عدوى متنقلة تهدد الجميع

تحقيق: جيهان شعيب

أمام بعض التصرفات الرعناء لا يصبح للحديث فائدة من دون وقفة حازمة، وعقاب مشدد، فاليوم والتوجيهات تتواصل بوجوب الالتزام والتقيد بالإجراءات والتدابير الاحترازية والوقائية من الجميع بلا استثناء، نشاهد مصابين بوباء كورونا المعدي، يخالفون إجراءات الحجر الصحي المنزلي المفروضة، ويوثقون عبر مواقع التواصل الاجتماعي خروجهم من بيوتهم، لهذا الأمر أو ذاك، من دون أن يلقي أي منهم بالاً لخطورة المرض المؤذي، وعواقب العدوى به، وكأن الجائحة مزحة أو طرفة ودعابة.
فهل من قول يمكن أن يتبقى بعد ذلك؟ وكيف نفسر سلوك أي مصاب يطيح المخاطر القائمة والمتوقعة من كسره الحجر، واختلاطه بالآخرين، دون أي اعتبار لنتائج فعلته؟
الاحترام هو نبراس معاملة الدولة للجميع، وقانونها هو الفيصل والمرجعية، ووفقاً للدكتور عمر الحمادي المتحدث الرسمي باسم حكومة الدولة في الإحاطة الإعلامية- بأن تاريخ الأوبئة والجوائح علمنا أن الالتزام الفردي؛ هو العامل الأهم في احتواء العدوى، وتقليل فرص انتشارها- فلا يجوز بحال الاستهتار، واللامبالاة، وتجاوز البعض لأي من التوجيهات، بأقوال أو أفعال مرفوضة، وغير مسموح بها؛ بل ومؤذية ومضرة بالآخرين، من قبيل ادعاء أنها حرية شخصية، أو من باب التعالي، والاستهانة بالتحذيرات.
وبالتالي لا مجال هنا سوى لمواجهتهم بحسم، وردعهم بعنف، في ضوء أن اختلاط مصاب واحد بكورونا، قد يؤدي إلى نقل العدوى إلى المحيطين به؛ بل وأكثر، وبالتالي لا محل للرحمة، أو التعاطف بأية صورة كانت مع كاسر إجراءات الحجر الصحي، مهما كانت ذريعته أو مبرره في ذلك، لاسيما والدولة غلظت العقوبات، والمخالفات بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا؛ حيث تم استحداث 24 بنداً للمخالفة ضمن جدول المخالفات والجزاءات الإدارية المستحدثة الصادر بقرار النائب العام للدولة رقم 38 لسنة 2020، والمعدل بالقرار رقم 58 لسنة 2020، لردع المستهترين بالإجراءات الاحترازية والوقائية في الدولة.


يتحدون القانون


استهلالاً يؤكد د. جاسم ميرزا رئيس جمعية الاجتماعيين أن الدولة طالبت الجميع بالالتزام بالإجراءات الاحترازية في جائحة كوفيد-19 التي يمر بها العالم أجمع، وتبذل جهوداً كبيرة؛ لاحتوائها من خلال وزارة الصحة ووقاية المجتمع، وخط الدفاع الأول، والهيئة العامة للأزمات والكوارث، إلا أننا وللأسف الشديد - وكما يقول- نرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الشباب الذين يكسرون الحجر الصحي بالخروج من بيوتهم؛ بل ويتباهون بذلك، فهذا يذهب لشراء غرض معين، وذاك لاحتساء كوب شاي، وهنا قمة الاستهتار، واللا مسؤولية، واللاوعي، فالذي يتسبب في الإضرار بالآخرين في ظل هذه الأزمة، ويتبجح ويتطاول على القانون والمجتمع، والنظام بشكل عام، هو إنسان مستهتر، يتحدى القانون الذي يعد المظلة الحامية لجميع من في الدولة، خاصة في هذه الجائحة والأزمة العصيبة؛ لذا فلا يمكن اليوم أن نرى شخصاً سوياً وعاقلاً يفعل مثل الشاب المصاب بكورونا ويعلم بذلك، وغيره، والذي خرج من بيته مطيحاً الحجر الصحي؛ لشرب الشاي أو القيام بأي فعل آخر؛ بل والأسوأ من ذلك تصويره نفسه، ونشر صورته في وسائل التواصل، وكأنه يقول أنا أتحدى النظام والدولة والقانون.
نحن اليوم أمام جائحة، والمطلوب أن نتعاون ونكون يداً واحدة، ونذعن للنظام، ونحترم القانون، واليوم أيضاً لا توجد حرية شخصية؛ لأنه لا حرية على حساب الآخرين، والقانون فوق الجميع، والمطلوب من الدولة أن تشدد الإجراءات حتى يرتدع المستهترون، والشباب من عديمي الوعي، فالجميع الآن في قارب واحد، وأعداد الإصابات ترتفع ثم تنخفض، وجهود الدولة مقدرة، بالفحوصات التي تجريها بأعداد مرتفعة، تصل إلى مئة ألف أحياناً، فلماذا لا نقف ونساعدها؟
وبشكل عام لا يجوز لأي من شبابنا أن يخالف أي إجراء من الإجراءات الوقائية والاحترازية، فمن أراد أن يكون مشهوراً في وسائل التواصل الاجتماعي، فليقم بعمل إيجابي يخدم به الدولة، أو يرفع به الرأس، من دون أن يكون عملاً مخزياً، ونريد من الحكومة أن تشدد على هذا النوع من المستهترين، ونريد من كل مواطن ومقيم يعرف أي فرد من هؤلاء المستهترين أن يبلغ عنه؛ لأننا يجب أن نكون يداً واحدة في الوقوف أمامهم، والتصدي لهم بقوة وحزم.


تشديد العقوبات


ويؤيد المحامي عبد المنعم بن سويدان ضرورة تشديد العقوبة على كل مصاب بكورونا خالف تعليمات الحجر، قائلاً: المصاب شخص بالغ راشد، عاقل، مدرك لجميع الأمور؛ لذا فمخالفته تعليمات الحجر؛ يعد استهتاراً وتعمداً لنقل العدوى للآخرين، ولا أعتقد أن هذا التصرف يصدر عن عاقل؛ لذا فمن يقوم بذلك يجب أن تشدد عليه العقوبة، خاصة والحكومة والهيئة العامة للأزمات والكوارث، وضعتا معايير في هذا الصدد، وأيضاً النائب العام حدد العقوبات المفروض إيقاعها على المتجاوزين، والمستهترين، ومن يتعاملون بلامبالاة، لاسيما وأن هناك وعياً مجتمعياً بالإجراءات الاحترازية المعلنة في وسائل الإعلام والتواصل كافة، ويفهمها كل عاقل، ولا يوجد تقصير من الجهات المعنية، فضلاً عن الإحاطات الإعلامية المتواصلة، والتحذير الدائم من خطورة هذا الوباء، مع نشر التعليمات المتعلقة بذلك لأفراد المجتمع، من قبيل عدم التجمع في الأماكن المزدحمة، واتخاذ الإجراءات الوقائية في العمل، وهذا يكفي.
لذا فالشخص المستهتر الذي يعلم بإصابته بالمرض، ولا يلتزم بالحجر الصحي، ويخرج من منزله بقصد وتعمد، دون أي سبب مقنع، سوى رغبته في الذهاب إلى مقهى، أو سينما، أو أي مكان عام للتنزه؛ يجب معاقبته بشدة، لردع غيره؛ حيث إن لم يكن يهتم بصحته، فإن هناك أشخاصاً آخرين تهمهم صحتهم، ويحتاطون حال خروجهم.


الخدمة المجتمعية


أما المستشارة القانونية منوهة هاشم فرى أن الغرامات قد لا تجدي مع بعض مخالفي إجراءات الحجر الصحي؛ حيث قد يقول الواحد منهم «بدفع شو المشكلة»، في حين لو عوقب بالخدمة المجتمعية، والحبس، لاختلف الأمر كثيراً، موضحة في هذا الصدد أن الحجر الصحي هو تدبير احترازي يهدف إلى الحد من انتشار الأمراض المُعدية التي قد تنتقل من شخص إلى آخر، ويطلب من الخاضعين للحجر الصحي البقاء في منازلهم، أو في منشأة فندقية مخصصة لهذا الغرض لمدة من الوقت، وعادة 14 يوماً كما هو الحال في مرض كوفيد-19، والابتعاد عن الآخرين.
وقالت: في الآونة الاخيرة لوحظت الكثير من التجاوزات في الاجراءات الاحترازية من ذلك التجمعات، والاحتفالات وخلافه، مما ساعد وللأسف على ارتفاع عدد حالات الإصابة، وفي اعتقادنا أن السبب الدافع لذلك؛ هو الاستهتار، واللامبالاة؛ وعدم تحمل المسؤولية، من دون مراعاة لأحد؛ حيث يهدف المخالفون للاستمتاع بوقتهم، وشعارهم: «كورونا موضوع بسيط خذلك حبتين بندول وبتطيب»! على الرغم من أن الموضوع أكبر من ذلك بكثير.
ومن هنا نقول إنه يجب أن يتحلى الجميع بالوعي وبُعد النظر، حتى لا يأتي وقت نقول فيه «ليت اللي جرى ما كان»، وليكون شعارنا «الزم بيتك»، مع مراعاة ضوابط الدولة، حتى يقضي الله أمره، وتزول هذه الغمة بإذن الله.


استهتار مرفوض


ويتفق خلفان الحريثي مدير إدارة الفروع في دائرة التنمية الاقتصادية بالشارقة في أن الاستهتار وراء السلوكات الخاطئة الصادرة من بعض المصابين بالفيروس؛ حيث يقومون بارتكابها من قبيل التجربة والمغامرة، مع انعدام إدراكهم للمخاطر التي تواجههم وتواجه المجتمع، ويقول: أرى أن الجهات المعنية فرضت عقوبات قاسية وصارمة على مرتكبي هذه السلوكات؛ وذلك لسعي حكومة دولة الإمارات والجهات المعنية بجائحة كوفيد 19؛ المتمثلة بهيئة الأزمات والطوارئ، للحد من انتشار هذا الوباء، فيما من المحزن تزايد عدد الإصابات، وعدم استقرارها، مما يدعو لوقفة مع مرتكبي أي من السلوكات الخاطئة في هذه الأزمة، والتي لها آثارها السلبية على المجتمع ككل، وعلى الصحة العامة لسكان الدولة.
وقد سنت بالفعل الجهات القانونية قوانين رادعة لمخالفي الأنظمة والإجراءات الاحترازية، ونتمنى من الجميع التقيد واحترام هذه الأنظمة، وعدم الانسياق وراء رغبات وكماليات، يمكن تأجيلها إلى حين التعافي من هذا الوباء، فمن غير المقبول اليوم في ظل هذه الجائحة أن نرى خلال الأخبار التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي حفلات تقام، وتجمعات بين الحين والآخر في عدة مناطق من الدولة، فيما لابد أن يعي أصحاب هذه التصرفات أنها ستضرهم ومن حولهم في المقام الأول، وستكون سبباً في تأخير القضاء على هذا الوباء وإطالة أمده، ويحب علينا جميعا من مواطنين ومقيمين أن نتحلى بالمسؤولية، ونوحد الصفوف، ونتكاتف ونتعاضد مع بعضنا؛ بالنصح، والتوعية بالإجراءات، ونكون عيناً ساهرة مع إخواننا في الصف الأول، الذين يقدمون الكثير من التضحيات.


عقوبات صريحة


أوضح المستشار زايد الشامسي رئيس جمعية المحامين في حديث سابق، أن المادة الأولى من قانون مكافحة الأمراض السارية رقم 14 لسنة 2014 المعدل، تنصّ على أن العزل الصحي؛ يعني فصل المصاب أو الشخص المشتبه في إصابته عن غيره من الأصحاء طواعية أو قسراً، مدة عدوى المرض، في أماكن وظروف صحية ملائمة؛ للحيلولة من انتقال العدوى من المصاب أو الشخص المشتبه في إصابته.
كما ألزم القانون المريض بالخضوع للاستشفاء الإلزامي قسراً؛ من خلال الإقامة في مؤسسة استشفائية لفترة محددة؛ لتلقي العلاج المقرر له، علاوة على نص المادة 33 من القانون بأنه على المصاب عند معرفة إصابته بمرض من الأمراض السارية، الالتزام بالتدابير الوقائية، وتنفيذ الوصفات الطبية، والتقيد بالتعليمات التي تعطى له، للحيلولة دون نقل العدوى إلى الآخرين، ويعاقب كل من يخالف نص المادة بالحبس، وغرامة لا تقل عن 10 آلاف درهم ولا تتجاوز 50 ألفاً، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وأيضاً تنص المادة 34 على أنه يحظر على أي شخص يعلم أنه مصاب بمرض من الأمراض، الإتيان عمداً بأي سلوك ينجم عنه نقل المرض إلى الغير، ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن 50 ألف درهم ولا تتجاوز 100 ألف، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يخالف نص المادة.


إثم شرعي


اتفقت الآراء الشرعية على أنه يحرم على من أصيب بمرض معدٍ مثل (الكورونا)، أو اشتبه بإصابته به أن يخالط سائر الناس، حتى لا يكون سبباً في نقل العدوى والمرض إليهم، ممّا يترتب عليه الإضرار بهم، بشكلٍ خاص، والإضرار بالبلد، وأمنه الصحي والاقتصادي بشكل عام، ويعطّل المصالح، ومن لم يلتزم بذلك فهو آثمٌ شرعاً، وهو من باب الإفساد في الأرض لقول الله تعالى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا)، ويستحق العقوبة في الآخرة والدنيا لمخالفته لأمر الله تعالى ورسوله، ومخالفته لولي الأمر الذي منع من التجول، والمخالطة؛ وأمره بذلك يحقق مصلحة للناس، وتصرف الراعي منوط بالمصلحة، كما يقرر الفقهاء وعقوبته يقدرها وليّ الأمر، حسب الضرر الناتج.
وأيضاً كل من يتهاون في الحجر ويخالط الآخرين، مع علمه أنه مصاب وأن مرضه معدٍ، ويتسبب بموت غيره فهو قاتل وعليه الدّية، والكفارة صيام شهرين متتابعين، ويتكرر ذلك بعدد من مات بسببه، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)، وعليه يجب شرعاً على من كان مصاباً بفيروس (كورونا)، أو كان مشتبهاً بإصابته، أن يبادر إلى أقرب مركز صحيّ؛ لاتخاذ التّدابير الصحيّة اللازمة، والملائمة؛ لحفظ صحته ونفسه، وتجنيب الآخرين خطر العدوى، ومن خالف ذلك فهو آثم شرعاً، مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة، فإن نجا من العقوبة في الدنيا فلن ينجوَ منها في الآخرة ما لم يتب، وحسابه عند ربه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا