السلامة المهنية / صحيفة الخليج الاماراتية

«كورونا» يلقي بظلاله على الدعاوى الإيجارية والعمالية والأسرية

تحقيق: جيهان شعيب

لم تحل نازلة «كورونا» على العالم أجمع، إلا وأدت إلى تغير مخططاته، وأنظمته المعيشية والحياتية، وحتى رؤيته المستقبلية، ومن ذلك الدولة، التي واجهت الفيروس المؤذي منذ اليوم الأول لانتشاره بقوة، ودراية، ووعي، وحكمة؛ من خلال قرارات، وتدابير وإجراءات، أشاد بها الجميع محلياً وخارجياً؛ لكن دائماً في الأزمات هناك أمور تكون خارجة عن نطاق التوقع، وغير مدرجة في صندوق الحسابات، وربما بعيدة عن الحسبان.
فمما أفرزته أزمة «كورونا» التزايد الملحوظ في بعض المنازعات القانونية التي كانت معدلاتها متوسطة قبلها، مقابل بزوغ دعاوى أخرى لم تكن مشهودة في أروقة المحاكم، أو منظورة على مكاتب القضاة، والمحامين، ومنها بعض الخلافات الأسرية التي جاءت وليدة الحجر المنزلي؛ للاحتكاك والتقارب بين طرفي العلاقة الزوجية، بما أدى لانكشاف طبائعهما بشكل أكبر لبعضهما، فظهرت الاختلافات التي لم تكن واضحة لهما بشكل كافٍ من قبل، مما أحدث تصادماً بينهما؛ أدى إلى تقديم دعاوى، وصلت بالبعض إلى طلب الانفصال، فضلاً عن تزايد القضايا الإيجارية.
الوجه الأسود لكورونا الذي ظهر في قضايا ومنازعات تنظرها المحاكم حالياً، والحل في كيفية العودة لما كان عليه واقعها قبيل كورونا؛ بحيث ومع زوال الوباء، لا يكون لها أي أثر، محور الآراء الآتية:
بداية يفند المستشار القانوني والإعلامي د. يوسف الشريف واقع وطبيعة النزاعات التي وجدت طريقها للجهات الشرطية والمحاكم في زمن «كورونا»، قائلاً: ما تزال تداعيات تفشي فيروس «كورونا» في مختلف المجالات محط أنظار الجميع؛ حيث أثرت هذه الجائحة في طبيعة الخلافات والنزاعات، ففي الجانب الاجتماعي والأسري؛ وجدنا أن تطبيق الإجراءات الاحترازية من تباعد اجتماعي والتزام بالبقاء في المنازل؛ أدى إلى أمرين متناقضين، أولهما أنها أوجدت تقارباً نفسياً وعاطفياً أكبر بين أفراد الأسرة، ومن ثم أعادت أدواراً غابت في زخم الحياة، فكانت علاجاً للعديد من المشاكل الاجتماعية والأسرية، خاصة تلك التي كانت تؤدي إلى التفكك الأسري سواء بين الزوجين، أو بين الآباء والأبناء.
وثانيهما أن نفس الأسباب السابقة كشفت في الوقت ذاته عن بعض من التغييرات في العلاقات، التي كانت تخفيها مشاغل الحياة؛ حيث ضاق ذوو العلاقات السرية؛ مثل: الزواج سراً، والعادات السيئة كتدخين الأبناء وتعاطيهم وما شابه ذلك، ذرعاً من الحجر، والتضييق عليهم في ممارسة ملذاتهم التي كانت مخفية، مما أدى إلى معاناة التوتر النفسي، وضيق الخلق والانفعال، ونتجت عن ذلك خلافات لم تقف عند حد الخلافات الأسرية فقط؛ بل وصلت إلى حد ارتكاب الجرائم في حق الأقارب، وهذا هو الجانب السلبي من جوانب آثار «كورونا».
وعلى الجانب الاقتصادي فقد برزت العديد من الخلافات والقضايا المالية، أو التي يكون دافعها مالياً؛ حيث أدت حالة الركود في العديد من المجالات إلى خفض دخول نسب كبيرة من شرائح المجتمع، والاستغناء عن عدد ليس بالقليل من الموظفين والعمال، وهو ما أدى إلى زيادة عدد القضايا العمالية من جهة.
ومن جهة أخرى تفاقمت قضايا العقود والالتزامات؛ نتيجة إخلال الكثير باتفاقاتهم، نتيجة الركود، وانعدام أو انخفاض الدخول، وكذلك قضايا الشيكات لعدم السداد لذات الأسباب، كما برزت بعض القضايا والخلافات التي قد تكون مستحدثة في ظل هذه الأزمة، مثل المطالبات بتخفيض الرسوم الدراسية، بالتوازي مع خفض مصاريف العمالة التشغيلية، خاصة في مجال التعليم الخاص نتيجة التعليم عن بُعد.


إعادة التوازن


وعلى صعيد متصل، زادت القضايا المرتبطة بعقود الإيجار من جانب طرفيها؛ حيث بادر المستأجرون إلى طلب خفض بدل الإيجار، وفسخ العقود قبل نهاية مدتها، وطلب تسهيلات في سداد بدل الإيجار؛ كإعفاء مؤقت من بدل الإيجار، وما على شاكلة ذلك، كما طالب المؤجرون ببدل الإيجارات، سواء المستحقة بموجب شيكات أو غيرها، وهو ما نادينا على إثره بضرورة تدخل تشريعي؛ بإعادة التوازن بين طرفي العلاقة الإيجارية، بتنظيم تشريعي مؤقت لبدلات الإيجار؛ حسماً لكل تلك الخلافات، وفي السياق نفسه زادت نسبة قضايا البنوك؛ نتيجة عدم مراعاتها للظروف الراهنة، ومطالبتها بتنفيذ العقود، وسداد أقساط القروض؛ بل وفوائدها، على الرغم من مناشدتنا للمصرف المركزي بتوجيه البنوك لتقديم تسهيلات مادية، مثل: تخفيض قيمة الأقساط، أو منح مهل زمنية للسداد، والإعفاء من الفوائد؛ تقديراً للظروف الطارئة.
وكذلك تفاقمت نسب جرائم الاعتداء اللفظي والجسدي؛ نتيجة العوامل التي كان لها أثرها النفسي، والعصبي، على العلاقات المختلفة، ومن أهم صورها: الجرائم الإلكترونية التي دفع إليها الفراغ، والجنوح لوسائل التواصل، وبث التغريدات، والدخول في مناقشات في جميع المجالات؛ لسد فراغ الحجر المنزلي، وهو ما ترتب عليه اختلافات وجهات النظر، التي تبعها التراشق بالاتهامات، والألفاظ التي أصبحت سمة في فترة مكافحة الفيروس.
لكننا نعود لنقر أن هناك جانباً إيجابياً للنازلة في مجال المنازعات؛ حيث جنح الكثير للسلم، والرغبة الجدية بحل الخلافات ودياً، سواء لتقدير البعض لآثارها السلبية، التي فرضت ذلك، أو تفادياً لآثار سلبية أخرى قد تكون أكثر ضرراً، وخطورة، وندعو لاستغلال كورونا وما خلفته من آثار سواء إيجابية، أو سلبية؛ لتشجيع سلوك حل المنازعات بالطرق والوسائل البديلة، التي تخرج عن نطاق الإجراءات القضائية، وما يصاحبها من آثار؛ من حيث هدر الوقت، والجهد.


قوة قاهرة


وتوافق رأي المحامي عيسى أحمد شطاف مع ما سبق، ذاهباً بالقول إلى أنه تولدت عن جائحة «كورونا» أزمات قانونية عدة، واجهت المجتمع القانوني داخل الدولة، وفي مختلف أنحاء العالم؛ ومن أبرز ما نتج عنها، استخدام الجميع لمصطلح الظروف الطارئة والقوة القاهرة؛ بعد أن كان من النادر استخدام هذين المصطلحين؛ إذ إن عدم تنفيذ أي طرف لأي من التزاماته كان ناشئاً - كما تمسك الكثير بالقول- عن وجود قوة قاهرة؛ والمتمثلة في جائحة «كورونا» التي اضطروا معها لغلق شركاتهم، ومكاتبهم والجلوس في المنازل من دون القيام بأي عمل.
وأضاف: تسببت الجائحة في وجود نزاعات بين التجار وبعضهم، وبعض نزاعات بين أفراد الأسرة الواحدة، وأيضاً على سبيل المثال لا الحصر نشأت أزمات بين بعض العمال والشركات التي يعملون بها، أو التي كانوا يعملون بها، مع اضطرار بعض الشركات إلى الاستغناء عن خدمات العاملين لديها؛ نتيجة عدم قدرتها على سداد الرواتب؛ لذا قام نزاع بينهم معها بخصوص مستحقات نهاية الخدمة؛ حيث منهم من رأى أن إنهاء خدمته هو عمل تعسفي من جانب الشركة، من ثم قام برفع دعوى تعويض؛ للمطالبة ببدل الفصل التعسفي، ومنهم من راعى ظروف الشركة، واكتفى بالحصول على مستحقات نهاية الخدمة، كما قررها القانون من دون أن يطلب أي تعويض.
كما شهدت بعض الشركات أزمات من نوع آخر؛ حيث إنه ونتيجة لظروف الشركة من تلك الجائحة، وتوقف العمل خلال الفترة من شهر مارس/آذار حتى شهر يونيو/حزيران الماضيين، قررت تخفيض رواتب العاملين لديها، بينما قررت شركات أخرى منح العاملين لديها إجازة غير مدفوعة الأجر، وقد اختلف تقبل العمال لهذه القرارات، فمنهم من رضخ للأمر الواقع، ومنهم من قام بترك العمل، بقوله: إن رب العمل قد أخل بالتزامات التعاقد، ولجأ إلى المحكمة طالباً الحصول على مستحقاته المتأخرة، ومن ثم فقد ضجت المحكمة العمالية بمنازعات بين العمال وأصحاب الأعمال، تمسك فيها العامل بمستحقاته التي كفلها له قانون العمل، وتمسك فيها صاحب العمل بالقوة القاهرة التي جعلته عاجزاً عن سداد رواتب موظفيه.
ومن جانب آخر ونتيجة عدم وجود دخل لدى بعض الشركات، وعدم حصول الموظفين على رواتب، نشأت أزمة أخرى للطرفين؛ إذ عانت الشركات أزمات شديدة في سداد القيم الإيجارية المستحقة عليها؛ بسبب توقف العمل وعدم وجود سيولة نقدية، علاوة على أن كثيراً من العمال المستأجرين لأماكن سكنية، لم يتمكنوا من سداد قيمة الإيجار؛ لعدم قدرتهم على ذلك، وهو ما أدى إلى نشأة نزاع بين الشركات، والعمال كمستأجرين وبين ملاك العقارات.
ولجا الكثير من الملاك إلى دائرة فض المنازعات الإيجارية، مطالبين بإلزام المستأجرين بسداد المستحقات في ذمتهم، وفي كثير من الأحيان طلب الملاك إلزام المستأجرين بالإخلاء.
كما لجأ المستأجرون أيضاً إلى لجنة فض المنازعات الإيجارية، طالبين تخفيض قيمة الإيجار، أو إنهاء عقد الإيجار؛ نتيجة وجود ظروف طارئة، استناداً لنص المادة (783) من قانون المعاملات المدنية، التي تنص على أنه (يجوز للمستأجر فسخ العقد في الحالتين الآتيتين: إذا استلزم تنفيذه إلحاق ضرر بين بالنفس أو المال له أو لمن يتبعه في الانتفاع بالشيء المؤجر)، ونص المادة 794 من قانون المعاملات المدنية التي تنص على أنه ( يجوز لأحد المتعاقدين لعذر طارئ يتعلق به أن يطلب إنهاء عقد الايجار).
وقد امتلأت المحكمة عن بكرة أبيها بقضايا من هذه النوعية، وهو الأمر الذى اضطرت معه لجنة فض المنازعات الإيجارية في دبي إلى إصدار القرار الإداري رقم 2020/5 والذى أنشأ لجنة قضائية جديدة لنظر المنازعات الخاصة بفسخ العقود الإيجارية أو إنقاص قيمتها.


تزايد ملحوظ


ويؤكد المحامي سعيد علي الطاهر أن الدعاوى القضائية التي برزت وتزايدت حالياً في أروقة المحاكم؛ بفعل تفشي وباء فيروس كورونا المستجد في الدولة، تتركز بالفعل في الدعاوى الإيجارية، والعمالية، وكذلك دعاوى الأحوال الشخصية،
ودعاوى النصب والاحتيال عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويقول: الدعاوى الإيجارية جاءت بفعل نزاعات بين المؤجرين والمستأجرين، وكذا الدعاوى العمالية بين بعض أرباب العمل والعمال والموظفين؛ حيث نرى المؤجر يطلب سداد القيمة الإيجارية من المستأجر، فيما قد يكون المستأجر سواء كان تاجراً أو موظفاً أو كليهما تأثر من انتشار الوباء، بما أدى إلى اهتزاز مدخولهما المالي، فيلجأ المتخاصمون إلى المحكمة؛ للفصل في نزاعهما، وفي جانب آخر قد ينشأ نزاع بين رب عمل والعامل من هؤلاء، لتوقف رب العمل عن سداد الرواتب في الأشهر السابقة لعماله وموظفيه؛ من جرّاء تأثر شركته، أو تجارته، أو منشأته من جرّاء تداعيات الفيروس، فيما قد يكون على العامل التزامات مالية تجاه أسرته من مسكن، ومأكل، ومشرب، ومتطلبات أخرى؛ فيقع النزاع بين الطرفين.
وأيضاً زادت الخلافات الأسرية في الفترة الماضية، لجلوس جميع أفراد الأسرة في البيوت، مع تزايد الاحتكاك بين أطرافها، ونتيجة للضغوطات النفسية التي يتعرض لها رب الأسرة، لعدم اعتياده على الجلوس في المنزل بلا عمل أو دخل، فتبدر منه بعض التصرفات التي قد ينزعج منها أفراد أسرته، وخاصة زوجته، فينشأ خلاف أسري ربما يصل إلى مرحلة الانفصال، وهذه الدعاوى تنظرها المحاكم حالياً، وبشكل متزايد عن الأيام السابقة على انتشار الوباء، ومن جانبنا نطالب جميع الأطراف سواء كانوا متنازعين أم محكّمين، بضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها الجميع، والصبر، وتحمّل المشاق إلى أن ينقشع الوباء، وتزول المحنة بإذن الله.


حالات الطلاق


أكدت ندى علي الشحي، المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، أن أزمة «كورونا» فرصة لاستعادة الأسرة لمفهومها القديم في الترابط الأسري الوثيق، وهي خطوة لنا في التواصل والانسجام مع أبنائنا عن قرب، والاجتماع معهم لفترة طويلة، وهذا يساعد في غرس وتعزيز قيمة التعاون، واستغلال الوقت في الاستفادة القصوى؛ لتطوير مهاراتهم وسلوكاتهم للأفضل.
وقالت: أما بخصوص نوعية القضايا الأسرية التي باتت سائدة فأعتقد أن حالات الطلاق انخفضت؛ لإصدار عدد من المحاكم في الدولة، قراراً بوقف المعاملات، والإجراءات المتبعة بخصوص عقود الزواج والطلاق حتى إشعار آخر؛ بسبب تفشي الفيروس، وهذا القرار ينبع من التحلي بروح المسؤولية، ودعم الجهود الحكومية؛ لمكافحة وباء كورونا.


تعثر المدينين عن سداد ديونهم


أدت جائحة «كورونا» إلى تعثر الكثير من المدينين عن سداد ديونهم، سواء كانوا شركات أو أشخاصاً؛ إذ لم يستطع معظم المتعاملين مع البنوك الالتزام بسداد مواعيد القروض في الوقت المناسب، وهو ما أدى إلى زيادة حجم الفوائد المترتبة عليهم، كما أدى إلى قيام بعض البنوك بشكوى المتعثرين منهم سواء في المحاكم الجزائية أو المدنية.
يقول المحامي عيسى أحمد شطاف: أدت أيضاً الجائحة إلى تعثر تنفيذ الكثير من العقود في المواعيد المتفق عليها؛ إذ تعذر على الجميع الالتزام بالمواعيد المتفق عليها في العقود التجارية والمدنية، فلم يستطع المقاول أن ينهي أعماله في الموعد الوارد بالعقد، ولم يستطع المستورد أن يجلب البضاعة لداخل الدولة في الموعد المتفق عليه، وقد أدى ذلك إلى قيام بعض أطراف هذه العقود بفسخها من جانبهم، كما قام البعض الآخر بالذهاب إلى المحكمة؛ للمطالبة بغرامات التأخير، والتعويض عما ألم بهم من أضرار؛ نتيجة عدم تنفيذ العقد في الموعد المحدد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا